أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
115
شرح مقامات الحريري
عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما : إنّا معشر قريش ، نعدّ الحلم والجود سؤددا ، ونعدّ العفاف وإصلاح المال مروءة . أنوشروان : المروءة ألّا تعمل عملا في السّر تستحيي منه في العلانية . غيره : المروءة اسم جامع للمحاسن كلها . وقالوا : المروءة العفّة والحرفة . قوله : اشرأبّ : تشوّف ، والتّشوّف أن تسمع بالشيء وتتطلّع أن تراه ، وتمتدّ أن تنظر إليه ، يقول : لولا الأفعال الجميلة كان عذر الفطن الحاذق يضيق عليه إذا سئل وقيل له : قد جاوز مالك قوتك ، وفضل عن مئونتك ، فلم تجهد في طلب المال ، وترغب في الزيادة منه . قال : فالمروءة توسّع عليه عذره ، فيقول ذو المروة . إنما اكتسبه لأنفقه في البرّ ، وبيّن هذا بقوله : « ثنى نحو الغنى ليتا » واللّيت : صفحة العنق فيقول : إنما ثنى عنقه ، وأمالها حبّا في السماح . وقد سبقه إلى هذا التّهاميّ بقوله : [ الطويل ] ولولا العطايا أنّها سنّة له * لما قال للدّنيا إذا عثرت : لعا فإن باشر الدنيا فللجود نالها * وإن هجر الدنيا فعنها ترفّعا فزاد بقوله : « وإن هجر الدنيا » معنى حسنا . وقالوا : نعم العون على المروءة المال . وقال الأحنف بن قيس : [ المتقارب ] فلو مدّ سروي بمال كثير * لجدت وكنت له باذلا « 1 » فإن المروءة لا تستطاع * إذا لم يكن مالها فاضلا وقال آخر : [ البسيط ] لولا شماتة أعداء ذوي حسد * أو أن أنال بنفع من يرجّيني لما خطبت إلى الدنيا مطالبها * ولا بذلت لها عرضي ولا ديني [ البسيط ] * * * وما تنشّق نشر الشّكر ذو كرم * إلّا وأزرى بنشر المسك مفتوتا والحمد والبخل لم يقض اجتماعهما * حتى لقد خيل ذا ضبّا وذا حوتا والسّمح في الناس محبوب خلائقه * والجامد الكفّ ما ينفكّ ممقوتا
--> ( 1 ) البيتان في البيان والتبيين 3 / 292 .